فوزي آل سيف
125
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
وقد انقسمت آراء أهل المدينة أمام هذا القرار، وما تقدمه من رفض البيعة كما هو المتوقع إلى ثلاثة آراء، فقد كان من الطبيعي أن يعارض الأمويون ومن في ركابهم قرار الحسين وأن (ينصحوه) تارة بالبيعة، و(يهددوه) أخرى بأن حياته ستكون في خطر إذا أعلن المعارضة للحكم الأموي، وأن بقاءه أنفع للإسلام والمسلمين، فلا ينبغي أن يتحرك بالاتجاه المخالف، وهذا الموقف سنراه في كل مراحل النهضة الحسينية، وهو يعبر عن موقف في الحياة ينتهي إلى أن على الإنسان أن ينظر إلى مصلحته الشخصية، فيميل معها أينما كانت، وغالبا ما كانت السلطات الظالمة تقوم على هذه الفئة وأصحاب هذا الموقف، وقد يكون هؤلاء من (عبيد الدنيا) الذين هم (دينهم دنانيرهم وقبلتهم نساؤهم) فلا يرون في هذه الحياة الدنيا غير اللهو واللعب وجمع الأموال، ولا يرجون آخرة. وقد يكونون من (المتدينين) لكنهم يحصرون دينهم في الأعمال الفردية والعبادات الشخصية ولا يعرفون الدين خارج إطار المسجد، وإذا ما تعارض (دينهم) مع ما يعملون ويأملون يزيحون الدين ويتخذون لهم المعاذير، ويتبعون من يسكت نداء الضمير في نفوسهم. وقد يكون بعض هؤلاء يرفعون لواء (خوف الفتنة)[186] فهم يتبعون الظالم ويشيدون بنيانه خوفا من الفتنة (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ).[187] وهناك فئة ثانية تصوب موقف الإمام الحسين عليه السلام في رفضه البيعة ليزيد، وإعلانه المقاومة للمشروع الأموي لكنهم بين مشفق عليه وخائف على حياته، وبين مناصر له ومستعد للدفاع عنه والكون معه، وهذه الفئة هي النواة التي خرج بها الحسين من المدينة إلى مكة، وظلت تناصره إلى الأخير.
--> 186 ) قد رفع معاوية في وجه الإمام الحسين عليه السلام سيف الفتنة وأن لا يبغي الحسين بزعمه الفتنة في الأمة فأجابه الإمام الحسين عليه السلام بصرامة (إني لا أعلم فتنة أضر على الأمة من ولايتك عليها)! والعجيب أن بعض من عاصر نهضة الحسين كان يخشى الفتنة! وكأنّ ولاية يزيد عليها هي تحقيق للأمان والاستقرار والبصيرة! 187 ) سورة التوبة : آية 49